إسلامية .. شبابية .. متنوعة
أهـلاً وسهـلاً بكَ يـا زائر في منتديـات ريماس

 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلإتصل بنادخول

شاطر | 
 

 النموذج الأرتكاسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأسيف
أستغفر لله العظيم من كل ذنب عظيم ..


ذكر عدد المساهمات : 672
الإقامة : تونس
البلد :
الأوسمة :
نقاط : 15721
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 07/06/2008

مُساهمةموضوع: النموذج الأرتكاسي   الأحد يونيو 15, 2008 4:42 am



*
*
*

تحليل النموذج الارتكاسي:

إن ما يميز الإنسان في نظر نيتشه عن غيره من الكائنات الحية الأخرى، هو أنه الكائن الوحيد الذي قد تنقلب فيه الحياة ضد نفسها. فهو الوحيد الذي له قابلية واستعداد لكي يصير ارتكاسيا، فيقاوم الحياة ويعلن الحرب على شروطها ويعمل على استئصال شأفة الرغبة فيها. هذا النزوع الارتكاسي يتمثل إذن في تبخيس الحياة. وهذه النزعة تبقى استعدادا لدى الإنسان لأنه كائن رغبة وإرادة، رغبته عوز أبدي وإرادته لا محدودة ولا نهائية مما يجعله يبتعد باستمرار عن ذاته. وفي هذا الابتعاد عن الذات توجد إمكانية الانحراف أو الانحلال la dégéneressence والتي في مداها الأقصى قد تتخذ شكل "إرادة الإرادة"، أي شكل إرادة عدمية ورغبة في الموت [2].فلنقل إذن بأن هذه القابلية الارتكاسية تفيد بأن الإنسان تحذوه قوى ارتكاسية des forces réactives قد تجد مصدرها في اللغة أو في الاجتماع أو الوعي أو الذاكرة...فالذاكرة مثلا هي قوة فاعلة حينما تكون ذاكرة للمستقبل، وحينما تكون مستودعا احتياطيا يمدّنا بالطاقة الضرورية للخلق والابتكار والتجديد. لكنها قد تصير قوة ارتكاسية حينما تغدو نكوصية مشدودة إلى الماضي حيث تغلق نوافذها التي تطل بها على الحاضر والمستقبل. الوعي أيضا يمكن أن يصير ارتكاسيا حينما يصبح وعيا شقيا فيكون مصدرا للألم وللكراهية والحقد [3]. كما أنه في أصل الحياة داخل المجتمع توجد إرادة ارتكاسية une volonté réactive تتمثل في "هستيريا الخوف من الآخر" La xénophobie التي تسري داخل كل فرد من أفراد المجتمع. وهذا الخوف هو الذي يدفع بالأفراد باتجاه التشكّل في قطيع l a grégaritè كحصانة ضد الطارئ، والمفاجئ، والمختلف، والغريب . ويحاول المجتمع تصعيد ذلك الخوف عبر تقوية الإحساس بالأمن والاستقرار والوحدة، وعبر تكوين حسّ مشترك وقيم مشتركة توحي بالهوية الواحدة المتجانسة. وهذا ما تقوم به اللغة بتواطؤ مع النحو والمنطق والأخلاق - نيتشه يتحدث عن "المرض النشوئي للغة" la maladie native du langage من حيث أنها تحمل في أعماق سننها الخوف والعجز والضغينة. ويتحدث عن "النحو""كميتافيزيقا للشعب" [4]. كما يتحدث عن "المفهوم "كمقبرة للحدوس الحسّية" le sépulcre des intuitions.
وإذا كان الإنسان له قابلية لأن يصير ارتكاسيا، ففي ظل أية شروط وظروف يصير بالفعل ارتكاسيا ؟ كيف تنشأ إمكانية ضياع الذات والانفصال عن الحياة ؟ أو بعبارة أخرى كيف تنتصر القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة فتشكّل نموذجا ارتكاسيا متحكّما في السلوك ومحدّدا للفكر، بل ومحرّكا للتاريخ الحديث والمعاصر؟[5].
في التيبولوجية النيتشوية يتم التمييز بين نمطين من إرادة القوة: الإرادة الإنكارية والإرادة التوكيدية. الأولى تقوم على تبخيس الحياة ونفيها والثانية تقوم على تثمين الحياة وتوكيدها. الأولى صادرة عن حياة مريضة أصابها الوهن والضعف والعياء فلم تعد بقادرة على توكيد الحياة لأنها مليئة بالمفارقات والتناقضات، ومصدرا للشر والألم، ولهذا أصبحت خالية من القيمة ولم تعد تستحق أن تعاش. أما الإرادة الثانية فهي صادرة عن حياة قوية وسليمة وتتمتع بصحة جيدة، ولهذا فهي منفتحة على الحياة وتسعى إلى توكيدها بكل اختلافاتها وتناقضاتها، وبكل آلامها وأفراحها دون نقص وبدون أدنى شعور بالدونية والخطيئة. الإرادة الأولى هي إرادة الضعيف والإرادة الثانية هي إرادة القوي، على ألا يفهم هنا الضعف والقوة بالمعنى الاجتماعي أو السياسي أو البيولوجي، بل بمعناهما النيتشوي والذي يتحدد بنوع العلاقة التي يقيمها الكائن مع الحياة والوجود، حيث نفي الوجود وإنكار الحياة هو ضعف، وتوكيد هما والانفتاح عليهما يعدّ قوة. أو بالمعنى الهيدغري المتمثّل في مدى قدرة الكائن على تحقيق توافق أو مصالحة بين ماهية الكائن وقدر الوجود [6]. فمن يحقق ذلك التوافق فهو قوي وبالتالي كائن فاعل، ومن لا يستطيع ذلك فهو كائن ارتكاسي منغلق على الوجود ومضاد للحياة [7].
تصير إرادة الانسان ارتكاسية حينما يهيمن على نشاطها عمل السلب والنفي والإنكار[8]. ويهيمن السلب على نشاط الكائن حينما تصاب حياته بالوهن فيعجز عن توكيد ذاته في الوجود، فيكون في حاجة إلى التعلق بأوهام تقدّم ذاتها في صورة قيم ومثل عليا مفارقة، يتخذها كأقنعة وكمبررات يعلن باسمها "الجهاد" ضد الحياة، والحرب ضد الوجود [9]. إن الذي ينكر الحياة ويبخسها هو من تكون حياته منحلّة ومنحطة، ومن ثم فهاجسه هو الحفاظ على نموذجه بجعل القوى الارتكاسية تنتصر فيه على القوى الفاعلة. وتعثر القوى الارتكاسية على حليفها لتحقيق ذلك الانتصار فيما يسميه نيتشه "بالمثل الأعلى الزهدي" idéal ascétique l’ أو "إرادة العدم" . وليست هذه الأخيرة سوى القوة المنتجة والمنشّطة لجميع القيم والمثل العليا. سلاحها في ذلك هو جعل الحياة تخضع لهيمنة القوى الارتكاسية وذلك عبر توظيف آلية "فصل القوى الحيوية الفاعلة عما تستطيعه" [10]. كل قوة فاعلة يتم فصلها عما تستطيعه، تحرم من شروط ممارستها لنشاطها الحر، فتصير قوة ارتكاسية. بتعبير آخر، كل قوة يتم حرمانها من الشروط التي تمكنها من إشباع حاجاتها ورغباتها، تصير تحت ضغط الحرمان وأيضا تحت تأثير الاستيهام والتضليل الإيديولوجي، قوة منقلبة ضد ذاتها وموجّهة ضد الحياة. وتتبلور هذه القوة في ثلاثة مظاهر أساسية متداخلة ومتكاملة هي على التوالي: الذحل أو الضغينة le ressentiment،والوعي الشقي la conscience malheureuse،والمثل الأعلى الزهدي. وهذه المظاهر الثلاثة تشكّل في مجموعها النموذج الارتكاسي[11]. فليس النموذج الارتكاسي سوى عملية تأويل وتقويم الحياة والوجود من زاوية الضغينة أو الوعي الشقي أو المثل الأعلى الزهدي. ومن داخل هذا المنظار السيكلوجي- الأخلاقي في جوهره وعمقه تبدو الحياة ظالمة وآثمة، ومصدرا لا ينتهي للألم والمعاناة. وهذا الطابع السلبي للحياة هو ما يجعلها في حاجة إلى أقنعة وتبريرات وأوهام لكي يتحملها الكائن ويقوى بواسطتها على تحمّل عبء الوجود.
يتشكّل إذن النموذج الارتكاسي بفوز القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة وذلك عبر فصل هذه الأخيرة عما تستطيعه. ويتم ذلك الفصل بواسطة خلق أوهام تتخذ صورة قيم ومبادئ ومثل عليا مفارقة يلقّبها نيتشه بالمثل الأعلى الزهدي. ويتم توليد الوهم عبر عملية إسقاط la projection صورة التناقض على الاختلاف الأصلي بين القوى، فيصير الاختلاف الطبيعي تناقضا وشذوذا أخلاقيا. يتم توظيف عدة آليات وإجراءات لإنماء عملية الاستيهام والتوهيم: كآلية العلّية الخيالية، والوهم النحوي، والتوهيم المنطقي، والتفسير الأخلاقي للحياة، والنظرة المانوية للوجود..إلخ. وحسب نيتشه فلقد لعب القسّ أو اللاهوتي دورا حاسما في إنتاج الأوهام الضرورية التي مكّنت من انتصار القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة وبسط هيمنتها على العالم. تصبح القوى الارتكاسية مهيمنة حين تكفّ ردود أفعالها أن تكون مفعولا بها فتصير محسوسة. وهذه الصيرورة الارتكاسية للقوى يمكن فهمها بسهولة إذا ما حاولنا مقارنة النموذج الارتكاسي بالنموذج الفاعل. فإذا كان النموذج الفاعل هو ذلك الذي يتشكّل جهازه النفسي من منظومتين منفصلتين عن بعضهما هما : الوعي واللاوعي، حيث يحول هذا الانفصال دون اختلاط المنظومتين، فيمنع بذلك اكتساح اللاوعي للوعي، ومن اجتياح ذاكرة الآثار اللاواعية لذاكرة الإثارة الواعية. والقوة التي تبقي على هذا الفصل بين المنظومتين وتعيد في كل لحظة تكوين سيولة الوعي والمحافظة على يقظته وطراوته هي ملكة النسيان. وهي قوة فاعلة لأنها بمثابة "جهاز تلطيف" un amortisseur يحول دون اختلاط اللاشعور بالشعور، ويمدّ الوعي بالطاقة الضرورية لاشتغاله وتجدّده، ويستعير تلك الطاقة من اللاشعور [12]. والكائن الذي يتضرّر لديه جهاز التلطيف هذا الذي هو ملكة النسيان ولا يعود قادرا على الاشتغال يشبه المريض المصاب "بعسر الهضم" un dyspeptique [13]، بحيث لا يتوصل إلى إنهاء أي شيء. فضعف ملكة النسيان يجعل الإثارة تختلط بأثرها في اللاوعي، فيكتسح ردّ الفعل على الآثار منطقة الوعي، فيصبح ردّ الفعل ذاك محسوسا به ويكفّ أن يكون مفعولا به. ومن ثمة لا تعود القوى الفاعلة قادرة على الفعل فتحرم من شروطها فلا تستطيع ممارسة نشاطها بحرية فيجري فصلها عما تستطيعه.
ليست الضغينة إذن سوى استحواذ الأثر على الإثارة، وردّ الفعل على الفعل، واللاوعي على الوعي. والعرض الرئيسي للضغينة هو العجز عن النسيان. فكل الأحداث المؤلمة تترك آثارا، والذكريات تصير جرحا متقيحا[14]، فيجثم الماضي بكل ثقله على الحاضر، فتصبح الذاكرة مشدودة إليه ومقيّدة بصورة من صوره. وهكذا فإذا كان النموذج الفاعل يتحدد بملكة نسيان فاعلة، وبالقدرة على تفعيل ردود فعله وتصعيد معاناته؛ فإن النموذج الارتكاسي يتحدد بتضخّم الذاكرة، وبسيادة رد الفعل، وبالكراهية للزمن والصيرورة والتطور. وبصفة عامة فالنموذج الارتكاسي يتصف بالسمات والخصائص التالية:
أوّلها: العجز عن التقدير والمحبة [15]. فكائن الضغينة يضمر الكراهية لكل ما هو مدعاة للمحبة والتقدير من قبل الآخر. وهو يعمل على تصغير الأشياء بواسطة تأويلات دنيئة. وهو أيضا متشائم لا يني يرى الأفخاخ مزروعة في كل مكان. والمذهل فيه أكثر هو خبثه ونية الإيذاء لديه، وقدرته الهائلة على التبخيس حيث يجعل من المصيبة شيئا رديئا، ويتهم الناس ويوزّع المثالب[16].
ثانيها: السلبية la passivité. في الضغينة تظهر السعادة في صورة مخدّر وعطالة واسترخاء للروح والجسد، أي باختصار تظهر في صورة سلبية [17]. وليست السلبية سوى انتصار ردّ الفعل على الفعل. وكائن الضغينة لا يحب ولكنه يريد أن يكون محبوبا، لا يروي عطش غيره ولكنه يريد أن يروى عطشه. إنه باختصار مصاب ب "عسر هضم" لذلك وجدناه يبدي قابلية قوية للتأثر. وهو يقدّر كل شيء تبعا للربح والكسب. بل لم تستطع الضغينة أن تهيمن على العالم إلاّ عن طريق تغليب الكسب على البذل، وتحويل الربح من كونه مجرد فكرة أو رغبة إلى نظام اقتصادي واجتماعي ولاهوتي [18].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.remas.ba7r.org
الأسيف
أستغفر لله العظيم من كل ذنب عظيم ..


ذكر عدد المساهمات : 672
الإقامة : تونس
البلد :
الأوسمة :
نقاط : 15721
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 07/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: النموذج الأرتكاسي   الأحد يونيو 15, 2008 4:43 am


ثالثها: إلحاق الأخطاء بالآخرين وتوزيع المسؤوليات والاتهام الدائم للغير. فما أن تخذل توقّعات كائن الضغينة حتى ينفجر اتهامات قاسية. إنه باختصار يقوّم الأشياء من زاوية أخلاقية انطلاقا من ثنائي الخير والشر، والورع والزندقة، والإيمان والكفر. فهو لا يشعر بأنه طيب إلاّ إذا شعر بأن الآخرين خبثاء. فصيغته الأساسية هي كما يقول دولوز: "أنت خبيث إذن أنا طيب". وهي صيغة تلخّص في نظره ما هو جوهري في الضغينة بكل سماتها السابقة وتوضح بشكل جلي منطق النموذج الارتكاسي وكل الفلسفة التي يصدر عنها. يورد نيتشه هذه الصيغة في "جنيالوجيا الأخلاق" على لسان "حمل" على النحو التالي:"هذه الطيور الكاسرة خبيثة، وذلك الذي يكون نقيضها كأن يكون حملا، ألا يكون طيبا ؟" [19]. ولفهم منطق هذه الصيغة سنبلورها في صورة قياس، والقياس كما هو معلوم قول يتألف من مقدّمتين: كبرى وصغرى ونتيجة. ستتخذ الصيغة الآنفة صورة الاستدلال التالي:
الطائر الجارح آكل اللحوم (المقدمة الصغرى)
كل طائر كاسر خبيث (المقدمة الكبرى)
الحمل طيب ( النتيجة )

يجري النظر إلى الطائر الجارح في المقدمة الصغرى كما هو في حقيقته الواقعية، أي باعتباره قوة (طائر كاسر) لا تنفصل عما تستطيعه (أكل اللحوم). لكن يجري في المقدمة الكبرى (كل طائر كاسر خبيث) افتراض أنه قد يكون في وسع الطائر الكاسر أن ينفصل عن قوته أي عما يستطيعه، وبما أنه لا يريد أن ينفصل عن طبيعته، ولا يريد أن يكبح نفسه فهو خبيث. يجري الافتراض إذن في الخاتمة (الحمل طيب) أن قوة واحدة هي القادرة على كبح ذاتها هي قوة الحمل ولهذا فهو طيب. بينما الطائر الكاسر نظرا لأنه لا يستطيع أن يكون حملا أي لا يستطيع أن ينكر ذاته واختلافه لذلك فهو خبيث. فمنطق الضغينة هنا هو منطق مقلوب يتخذ الصيغة التالية: الخبيث هو الذي يؤكد ذاته واختلافه، أي هو الذي "يكون جسده" être son corps ، أما الطيب فهو ذاك الذي يعجز عن توكيد اختلافه فيدّعي بأنه باستطاعته ذلك لكنه لا يفعله، لأنه يسيطر على ذاته و"يمتلك جسده"avoir son corps [20]. هكذا يتأسس منطق الضغينة على "قياس فاسد" un paralogisme أساسه الاعتقاد الوهمي بوجود قوة مفصولة عما تستطيعه، وبفضل هذا الوهم تنتصر القوى الارتكاسية. يقول نيتشه:"ألم يصل شعب إسرائيل- عبر طريق المخلّص الملتوية، عبر هذا الخصم الوهمي الذي بدا وكأنه يريد تشتيت إسرائيل-إلى تحقيق آخر أهداف ضغينته السامية؟"[21]. وفي نظر دولوز فإن تحليل هذا الوهم يكتسي أهمية قصوى، لأنه بواسطته تكتسب القوى الارتكاسية قوة معدية، بينما به تصبح القوى الفاعلة قوى ارتكاسية بالفعل.
يقوم هذا الوهم ويترسخ بواسطة عدة آليات من أهمها آلية العلّية الخيالية. وتتمثل هذه الآلية في إقامة انشطار ما بين القوة ومفعولها، حيث يتم افتراض أن القوة علّة مستقلة ومنفصلة عن تجلّياتها. فالعلّية هنا معتقد خيالي يتم توظيفه من قبل النموذج الارتكاسي لكي يعزز الاعتقاد الوهمي بأنه من الجائز أن يصبح القوي ضعيفا (كأن يصبح الطائر الكاسر حملا). وهذه العلّية الخيالية هي حيلة النموذج الارتكاسي: فالطيب هو الذي يكون على نقيض الآخر المختلف (أي الخبيث). "فالخبيث" هو "خبيث" لأنه يمارس قوة يمتلكها، بينما "الطيب" هو "طيب" لأنه يمتنع عن ممارسة قوة لا يمتلكها. هكذا يجري تحويل الاختلاف الطبيعي الموجود بين الكائنات إلى تناقض، وتقديمه في صورة تعارض أخلاقي، كالتعارض بين الطيب والخبيث، أو بين الخير والشر[22]. فبواسطة التأويل الأخلاقي للحياة والوجود تعطي القوى الارتكاسية عن مبدأ الاختلاف - الذي هو أساس الحياة - صورة مقلوبة حيث يصير مبدأ أخلاقيا. ويتم قلب هذه الصورة بواسطة آليات التوهيم والتضليل، أي بواسطة تواطؤ بين القوى الارتكاسية والإرادة العدمية. ولقد قلنا سابقا بأن نيتشه يعتبر بأن اللاهوتي هو الذي يمنح للقوى الارتكاسية الإرادة الملائمة لها، وباسم تلك الإرادة تتم مقاومة الحياة [23].
أساس الضغينة إذن هو اتهام الآخر والحياة، والوقوع تحت وطأة الشعور بالإثم، ومحاولة الهروب من هذا الشعور المؤلم عن طريق التعلق بأوهام تقدّم له في صورة حقائق لاهوتية، أوأخلاقية، أو فلسفية، أو علمية. بواسطة الأخلاق –والأخلاق تكتسي في المنظور الجنيالوجي عدة دلالات: فهي لاهوت، وميتافيزيقا، ولغة، وشبه نظريات علمية...- إذن تتبلور الضغينة إلى وعي شقي. ويتم ذلك عن طريق تحويل مفهوم "الألم" من معناه الخارجي الإيجابي إلى معناه الداخلي السلبي. وهذا التحويل يعدّ لحظة حاسمة تتوّج انتصار القوى الارتكاسية وتشكّل النموذج الارتكاسي. يكون الألم عبارة عن قوة فاعلة وإيجابية حين يتجلى كمعنى خارجي ويتم الإبقاء عليه في خارجيته، وهذا ما يميز القوى الفاعلة قبل أن تنتصر عليها القوى الارتكاسية. فالفاعل القوي يعرف كيف يحقق الربط إيجابيا بين الألم والحياة. وإذا كان لا يأخذ مأخذ جدّ الألم بما في ذلك ألمه ذاته، فلأنه يتصور باستمرار وجود قوة ما أو "شخص ما" يمتعه ذلك الألم [24]. بيد أن نيتشه يلاحظ بأنه يوجد في الوقت الراهن نزوع للتذرع بالألم كحجة ضد الوجود. لأن الوجود صار- في المنظور الارتكاسي- أكثر عرضية وعبثية، وخاليا من المعنى والقيمة[25]. بينما المعنى الإيجابي للألم، هو ذاك الذي لا يتخذ حجة ضد الحياة، بل على العكس من ذلك ينظر إليه باعتباره مثيرا للحياة وحجّة لصالحها وتجلياّ فاعلا لها: ألا يقول المثل الشعبي المغربي " أللّي أبغى لعسل يصبر لقريص أنحل". وفي سياق نفس الدلالة يقول نيتشه:" لقد كانت القسوة بمثابة متعة مفضّلة لدى البشرية الأولى. فكانت تدخلها كتابل أساسي في كل متعها تقريبا. حيث لا استمتاع من دون ألم. هذا ما ينبئنا به تاريخ الإنسان الأكثر إيغالا في القدم. فللألم مظاهر الاحتفال." [26].
بيد أن انتصار القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة أدى إلى تحوير مفهوم الألم، فتم نقله من معناه الإيجابي الخارجي إلى المعنى السلبي الداخلي، بحيث لم يعد الألم عنصرا فاعلا "بل هو ما يجب الهروب منه بواسطة أقوى الأهواء توحشا. فالألم نتاج غلطة أو خطيئة، وهو أيضا وسيلة للخلاص منها. فالألم لا يشفى منه إلاّ بمضاعفته والمزيد منه عبر استبطانه بشكل أعمق وعن طريق تلويث الجرح" [27]. ذلك هو التفسير الذي يقدمه اللاهوتي للألم، وتلكم هي "الوصفة" التي يقدّمها "طبيب الروح" لإخراج الإنسان من تمزّقه.
قلنا بأن الكائن الارتكاسي عاجز عن توكيد ذاته في الوجود، لهذا فهو يعاني من ألم وتمزّق، فيسعى جاهدا للبحث عن علّة لألمه وتبرير لعجزه. فيعثر في البداية عن ضالته في التفسير الأخلاقي للوجود، وفي النظرة المانوية للحياة. فيتهم كل ما هو حيوي فعّال، ويقلب الاختلاف إلى تعارض موظفا في ذلك استدلالا فاسدا صاغه دولوز على النحو التالي: "أنت خبيث إذن أنا طيب" . وبهذا المنطق يتم توجيه قوة الضغينة نحو الآخر وضد اختلافه. لكن الضغينة لغم متفجّر وطاقة مخرّبة، فهي تؤذي الأنا والآخر أيضا. لكن بنفس القدر فهي تهدد الأمن والاستقرار والنظام. من هنا تطرح ضرورة احتواء مفعولاتها وإبطال لغمها، فيتم تغيير اتجاهها باتجاه "الوعي الشقي": "فعلة الألم ومصدر الشر يوجدان بداخل الإنسان، فهي عقاب وانتقام من الأخطاء والكبائر التي ارتكبها الكائن فيما مضى"[28]. بهذه الكيفية يتم استبطان الألم، فيكتسب بذلك معناه السلبي الباطني، فيتحول إلى وعي شقي. كلّ هذا يجري وكأنّ الضغينة لا تهدأ إلاّ بنشر عدواها حتى تصبح الحياة بأسرها ارتكاسية وجميع الأصحاء مرضى. فلا يكفي اتهام الغير والحقد عليه، بل يجب على المتهم ذاته أن يشعر بأنه مذنب، وبأنه في حاجة إلى إعلان التوبة والتكفير عن ذنب حتى ولو كان هذا الأخير مجرد وهم. وبموازاة التحول الآنف الذكر الذي يخضع له مفهوم الألم، هناك تحوّل آخر يمسّ طبيعة العلاقة بين الدائن والمدين– أي يستهدف أحد الركائز الأساسية التي تنبني عليها الحياة المشتركة بين الأفراد داخل المجتمع وهي تتعلق بمبدأ الدّين la dette. حيث يفقد هذا المبدأ طابعه العابر والفاعل الذي كان يساهم في تحرير الإنسان، فيتحول إلى "دين أبدي" une dette éternelle يتعذر تسديده والتحرر منه. يصبح الدّين علاقة مدين لن ينتهي من الدفع، بدائن لن ينتهي من استيفاء فوائد الدّين، فيجري استبطان ألم الدّين [29]، فتتحول المسؤولية عن الدّين إلى شعور بالذنب.
يمثّل "المثل الأعلى الزهدي" المظهر الثالث للنموذج الارتكاسي، وهو عبارة عن تركيب للضغينة والوعي الشقي، إذ بواسطته يتكاملان ويقوّي أحدهما الآخر[30]. ليس المثل الأعلى الزهدي سوى تعبير عن أرقى أشكال الأقنعة التي ترتديها المعاني الزائفة التي يمنحها الكائن لألمه وشقائه وقلقه في الوجود، وذلك حينما يصاب باضمحلال فزيولوجي ونفسي عميقين، وبروح إنكارية تجعله غير قادر على توكيد ذاته وحياته في كل أبعادها، بدون بخل وحساب، أو ذحل وإحساس بالذنب، وبدون الحاجة إلى التعلق بقيم ومثل عليا مفارقة. لهذا اعتبر نيتشه بأن تفكيك المثل الأعلى الزهدي بما هو الشكل الأرقى للقوى الارتكاسية، يعتبر شرطا ضروريا لتمكين الإنسان من التصالح مع ذاته وطبيعته ومع الغير الذي ليس سوى وجهه الآخر المختلف. ولا حاجة إلى التذكير أن هذا المثل الأعلى ماهو إلا عنوان واسع تندرج تحت إطاره جميع المعاني الكبرى، والقيم المقدّسة، والمثل العليا المفارقة، القديمة والحديثة، وهي تشمل القيم اللاهوتية والقيم الحديثة والمعاصرة كالعقلانية، والنزعة الانسانية[31]، والوضعية، والمثل الاشتراكي، والديمقراطي[32]...من هنا يكتسي تحليله بعدا راهنيا ويشكّل بالنسبة للفكر العربي المعاصر أحد المشاريع التي يكتسي إنجازها طابع الضرورة والاستعجال .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.remas.ba7r.org
ReMaS
يا رب إن لم يكن بك علي غضب فلا ابالي..
يا رب إن لم يكن بك علي غضب فلا ابالي..


انثى عدد المساهمات : 1762
تاريخ الميلاد : 18/05/1992
العمر : 24
الإقامة : فلسطين الحبيبة
البلد :
الأوسمة :
نقاط : 15950
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 06/06/2008

الورقة الشخصية
ريماس: 1

مُساهمةموضوع: رد: النموذج الأرتكاسي   الإثنين يونيو 16, 2008 5:49 pm

الموضوع ما أقدر أوصفه
رووووووووووعة
بحكيها بكل اللغات
والشكر الجزيل للشخص الي وضع هذا الموضوع في منتدانا
تسلم أخي الأسيف وبارك اله فيك
الموضوع لا يوصف
تسلم

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://remas.ba7r.org
الأسيف
أستغفر لله العظيم من كل ذنب عظيم ..


ذكر عدد المساهمات : 672
الإقامة : تونس
البلد :
الأوسمة :
نقاط : 15721
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 07/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: النموذج الأرتكاسي   الثلاثاء يونيو 17, 2008 2:44 am

عجزتيني على الرد عليك أختي الكريمة
ما عدت قادر أحكي شيء بعد هذا الرد الرائع منك ,
والله لا أستحق كل هذا , نشر المعرفة و التثقيف واجبنا , فنحن أمة " إقرأ " . . .
أشكرك


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.remas.ba7r.org
 
النموذج الأرتكاسي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ريماس :: 
المنتدى الأدبي و العلمي الثقافي
 :: قسم الفلسفة
-
انتقل الى: